توفيق أبو علم

155

السيدة نفيسة رضي الله عنها

أحبّها الشعب المصري قبل قدومها إليه ، حيث سمع عن أنبائها بالمدينة بلد الرسول صلى الله عليه وآله ، وتلقّتها النساء والرجال بالهوادج والخيول مرحبّين ، يهلّلون ويكبّرون ، ولم يزالوا معها إلى أن دخلت مصر ، فأنزلها عنده كبير التجّار بمصر جمال الدين عبداللَّه الجصّاص ، وكان من أهل الصلاح ، ومن أصحاب المعروف والبرّ والصدقة والمحبة في الصالحين والعلماء والسادة الأشراف ، فنزلت عنده في داره معزّزةً مكرّمةً مبجّلة ، فأقامت بها عدّة شهور ، والناس يفدون إليها زرافات ووحداناً ، من سائر مدن القطر ، ومن جميع الآفاق ، يتلمّسون بركتها ويرجون دعاءها ، ويرون في إشراقتها إشراقة بيت النبوّة وعترة المصطفى صلى الله عليه وآله . وكانت سيّدة من المصريّين تُسمّى بأُمّ هانئ ، لها دار رحيبة بجهة المراغة والقبر الطويل بالمصاصة - أوالمنصوصة - فرجت من السيّدة نفيسة النزول في دارها ، وكانت امرأة ورعة تقيّة صالحة ، فقبلت السيّدة نفيسة وانتقلت إلى تلك الدار ، فلم ينقطع عنها الزوّار ، وانهال عليها الناس من كلّ حدب وصوب ، من طلّاب الحاجات ، وراغبي الدعوات ، وملتمسي النفحات والبركات ، ويعودون جميعاً وقد استجاب اللَّه دعاءها ، وقضى لهم حاجتهم وكشف كروبهم . وقد كان يجاور بيت أُمّ هانئ رجل من اليهود يقال له : أبو السرايا أيّوب بن صابر ، وله بنت مُقْعَدَة ، وفي يوم من الأيام توجهّت بها أُمّها إلى السيّدة نفيسة واستأذنتها في بقائها في حماها إلى أن تعود من حمّامها ، فتركتها في ردهة الدار ومضت إلى الحمّام ، حتّى إذا جاء وقت صلاة الظهر نهضت السيّدة نفيسة لوضوئها والبنت القعيدة ترقبها ، وتستشرف إلى ما تصنعه السيّدة ، وكان ماء الوضوء يجري في مجرىً بالردهة إلى بئر تحت عتبة الدار ، فألهم اللَّه عزّوجلّ البنت أن تزحف من مكان قعدتها وتصل إلى ذلك المجرى زاحفةً ، فأخذت في تقليد السيّدة فيما تفعله من غسل وجهها ويديها ورجليها ، وما أن غسلت رجليها من ذلك الماء الذي يسيل في المجرى من فضل وضوء السيّدة ، حتّى كأنّما نشطت من عقالها ، وزال عنها كساحها ، وشفاها اللَّه سبحانه وتعالى ممّا بها ، فنهضت قائمةً مسرعةً في الخروج إلى الدرب خارج الدار ، تلعب مع لدّاتها ، والسيّدة في شغل عنها بعبادتها وصلاتها ، فلمّا حضرت أُمّ البنت إذ بها تجدها وقد زال عنها ما أقعدها ، وهي قائمة على قدميها ، كأنّه لم يكن بها شيء ، فاحتضنتها وهي نشوانة مأخوذة ممّا رأت من شفاء بنتها وعافيتها ، فسألتها عن أمرها ، فأخبرتها بجليّة الأمر ، وما كان من غسلها رجليها من فضل ماء الوضوء ، فبكت الأُمّ بكاءً